فصل: كتاب الزكاة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 كتاب الزكاة

 الزكاة في اللغة النماء يقال زكا الزرع إذا نما وترد أيضًا بمعنى التطهير وترد شرعًا بالاعتبارين معًا أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها أو بمعنى أن تعلقها بالأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة‏.‏ ودليل الأول‏:‏ ‏(‏ما نقص مال من صدقة‏)‏ لأنها يضاعف ثوابها كما جاء‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى يربي الصدقة‏)‏ وأما الثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل وطهرة من الذنوب‏[‏قال الإمام النووي‏:‏ وسميت في الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوي فيها‏.‏ وقيل لأنها تزكي صاحبها وتشهد بصحة إيمانه كما سبق في قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏والصدقة برهان‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وسميت صدقة لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه‏.‏ اهـ‏.‏ وقوله لوجود المعنى اللغوي فيها هو النماء‏.‏ وقد شاهدنا ذلك حسًا ومعنىً فعلى محبي كثرة الأموال وزيادتها وتضاعفها أضعافًا كثيرة أن يخرجوا زكاة أموالهم ولا يبخلوا بها فإنه مضرة عليهم في الدنيا بتسليط أنواع الهلاك عليها وفي الآخرة بتكثير صنوف العقاب عليهم واللَّه أعلم‏]‏‏.‏ قال في الفتح‏:‏ وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها‏.‏ قال أبو بكر ابن العربي‏:‏ تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق‏.‏ وتعريفها في الشرع‏:‏ إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه‏.‏ ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغني عن تكلف الاحتجاج له وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها فيكفر جاحدها‏.‏ وقد اختلف في الوقت الذي فرضت فيه فالأكثر أنه بعد الهجرة‏.‏ وقال ابن خزيمة‏:‏ إنها فرضت قبل الهجرة‏.‏ واختلف الأولون فقال النووي‏:‏ إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة‏.‏ وقال ابن الأثير‏:‏ في التاسعة‏.‏ قال في الفتح‏:‏ وفيه نظر لأنها ذكرت في حديث ضمام ابن ثعلبة وفي حديث وفد عبد القيس وفي عدة أحاديث وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكانت في أول السابعة وقال فيها يأمرنا بالزكاة‏.‏ وقد أطال الكلام الحافظ على هذا في أوائل كتاب الزكاة من الفتح فليرجع إليه‏.‏

 باب الحث عليها والتشديد في منعها

1 - عن ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال‏:‏ إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما بعث معاذًا‏)‏ كان بعثه سنة عشر قبل حج النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم كما ذكره البخاري في أواخر المغازي‏.‏ وقيل كان ذلك في سنة تسع عند منصرفه من تبوك رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات عنه ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر وقيل بعثه عام الفتح سنة ثمان واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها واختلف هل كان واليًا أو قاضيًا فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تأتي قومًا من أهل الكتاب‏)‏ هذا كالتوطئة للوصية لنستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبته الجهال من عبدة الأوثان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فادعهم‏)‏ الخ إنما وقعت البداءة بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصح بشيء غيرهما فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين ومن كان موحد فالمطالبة له بالجمع بينهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن هم أطاعوك‏)‏ الخ استدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولًا إلى الإيمان فقط ثم دعوا إلى العمل ورتب ذلك عليه بالفاء وتعقب بأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به وبأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب وقد قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث ورتبت الأخرى عليها بالفاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خمس صلوات‏)‏ استدل به على أن الوتر ليس بفرض وكذلك تحية المسجد وصلاة العيد وقد تقدم البحث عن ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن هم أطاعوك لذلك‏)‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد إن هم أطاعوك بالإقرار بوجوبها عليهم والتزامهم بها والثاني أن يكون المراد الطاعة بالفعل وقد رجح الأول بأن المذكور هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة إليها ويرجح الثاني أنهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى ولم يشترط التلفظ بخلاف الشهادتين فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ المراد القدر المشترك بين الأمرين فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة فإذا صلوا وبعد ذكر الزكاة فإذا أقروا بذلك فخذ منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صدقة‏)‏ زاد البخاري في رواية في أموالهم وفي رواية له أخرى افترض عليهم زكاة في أموالهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تؤخذ من أغنيائهم‏)‏ استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه فمن امتنع منهم أخذت منه قهرًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏على فقرائهم‏)‏ استدل به لقول مالك وغيره أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد وفيه بحث كما قال ابن دقيق العيد لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء‏.‏ قال الخطابي‏:‏ وقد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذ إخراج ماله مستحق لغرمائه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإياك وكرائم أموالهم‏)‏ كرائم منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره والكرائم جمع كريمة أي نفيسة‏.‏ ‏(‏وفيه دليل‏)‏ على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واتق دعوة المظلوم‏)‏ فيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال الإشارة إلى أن أخذها ظلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حجاب‏)‏ أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا‏:‏ ‏(‏دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجره على نفسه‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وإسناده حسن‏.‏ وليس المراد إن للَّه تعالى حجابًا يحجبه عن الناس‏.‏ قال المصنف رحمه اللَّه بعد أن ساق الحديث‏:‏ وقد احتج به على وجوب صرف الزكاة في بلدها واشتراط إسلام الفقير وأنها تجب في مال الطفل الغني عملًا بعمومه كما تصرف فيه مع الفقر انتهى‏.‏ وفيه أيضًا دليل على بعث السعاة وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به وإيجاب الزكاة في مال المجنون للعموم أيضًا وأن من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة من حيث أنه جعل أن المأخوذ منه غني وقابله بالفقير وأن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال‏.‏ وقد استشكل عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان وأجاب الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كررا في القرآن فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام وقيل إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث‏:‏ ‏(‏بني الإسلام على خمس‏)‏ فإذا كان في الدعاء على الإسلام اكتفي بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الحج والصوم لقوله تعالى ‏{‏فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة‏}‏ مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج‏.‏

2 - وعن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم اللَّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم اللَّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم اللَّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قالوا‏:‏ فالخيل يا رسول اللَّه قال‏:‏ الخير في نواصيها أو قال الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الخيل ثلاثة هي لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر فأما التي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل اللَّه ويعدها له فلا تغيب شيئًا في بطونها إلا كتب اللَّه له أجرًا ولو رعاها في مرج فما أكلت من شيء إلا كتب اللَّه له أجرًا ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفًا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملًا ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها وأما التي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرًا وبطرًا أو بذخًا ورياء الناس فذلك الذي هي عليه وزر قالوا‏:‏ فالخمر يا رسول اللَّه قال‏:‏ ما أنزل اللَّه عليَّ فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ‏{‏من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره‏}‏‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما من صاحب كنز‏)‏ قال الإمام أبو جعفر الطبري‏:‏ الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض سواء كان في بطن الأرض أو في ظهرها قال صاحب العين وغيره‏:‏ وكان مخزونًا‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث فقال أكثرهم‏:‏ هو كل مال وجب فيه صدقة الزكاة فلم تؤد فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز وقيل الكنز هو المذكور عن أهل اللغة ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة وقيل المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك وقيل كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وان أديت زكاته وقيل هو ما فضل عن الحاجة ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال واتفق أئمة الفتوى على القول الأول لقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏لا تؤدى زكاته‏)‏ وفي صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له شجاعًا أقرع‏)‏ وفي آخره‏:‏ ‏(‏فيقول أنا كنزك‏)‏ وفي لفظ لمسلم يدل قوله ‏(‏ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته‏)‏ ‏(‏ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منهما حقهما‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم يرى سبيله‏)‏ قال النووي‏:‏ هو بضم الياء التحتية من يرى وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا بطح لها بقاع قرقر‏)‏ القاع المستوي الواسع في سوى من الأرض قال الهروي‏:‏ وجمعه قيعة وقيعان مثل جار وجيرة وجيران‏.‏ والقرقر بقافين مفتوحتين وراءين أولهما ساكنة المستوي أيضًا من الأرض الواسع‏.‏ والبطح قال جماعة من أهل اللغة‏:‏ معناه الإلقاء على الوجه قال القاضي عياض‏:‏ وقد جاء في رواية للبخاري تخبط وجهه بأخفافها قال‏:‏ وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح أن يكون على الوجه وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كأوفر ما كانت‏)‏ يعني لا يفقد منها شيء‏.‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ ‏(‏أعظم ما كانت‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تستن عليه‏)‏ أي تجري عليها وهو بفتح الفوقية وسكون السين المهملة بعدها فوقية مفتوحة ثم نون مشددة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها‏)‏ وقع في رواية لمسلم‏:‏ ‏(‏كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ وهو تغيير وتصحيف وصوابه الرواية الأخرى يعني المذكورة في الكتاب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليس فيها عقصاء‏)‏ الخ قال أهل اللغة‏:‏ العقصاء ملتوية القرنين وهي بفتح العين المهملة وسكون القاف بعدها صاد مهملة ثم ألف ممدودة‏.‏ والجلحاء بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة التي لا قرن لها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تنطحه‏)‏ بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري وغيره والكسر أفصح وهو المعروف في الرواية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الخيل في نواصيها الخير‏)‏ جاء تفسيره في الحديث الآخر في الصحيح بأنه الأجر والمغنم وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة والمراد قبيل القيامة بيسير وهو وقت إتيان الريح الطيبة من قبل اليمن التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأما التي هي له أجر‏)‏ هكذا في أكثر نسخ مسلم وفي بعضها‏:‏ ‏(‏فأما الذي هي له أجر‏)‏ وهي أوضح وأظهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في مرج‏)‏ بميم مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولو استنت شرفًا أو شرفين‏)‏ أي جرت والشرف بفتح الشين المعجمة والراء وهو العالي من الأرض وقيل المراد طلقًا أو طلقين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أشرًا وبطرًا وبذخًا‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الأشر بفتح الهمزة والشين المعجمة المرح واللجاج‏.‏ والبطر بفتح الباء بواحدة من أسفل والطاء المهملة ثم راء هو الطغيان عند الحق‏.‏ والبذخ بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة بعدها خاء معجمة هو بمعنى الأشر والبطر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا هذه الآية الفاذة الجامعة‏)‏ المراد بالفاذة القليلة النظير وهي بالذال المعجمة المشددة والجامعة العامة المتناولة لكل خير ومعروف ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليَّ فيها نص بعينها ولكن نزلت هذه الآية العامة‏.‏ وقد يحتج بهذا من قال لا يجوز الاجتهاد للنبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم ويجاب بأنه لم يظهر له فيها شيء ومحل ذلك الأصول‏.‏

والحديث يدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والغنم‏.‏ وقد زاد مسلم في هذا الحديث‏:‏ ‏(‏ولا صاحب بقر‏)‏ الخ قال النووي‏:‏ وهو أصح حديث ورد في زكاة البقر وقد استدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في رواية لمسلم عند ذكر الخيل‏:‏ ‏(‏ثم لم ينس حق اللَّه في ظهورها ولا رقابها‏)‏ وتأول الجمهور هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها‏.‏ وقيل المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته وقيل المراد حق اللَّه مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة وسيأتي الكلام على هذه الأطراف التي دل الحديث عليها‏.‏

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى‏:‏ وفيه دليل أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار وآخره دليل في إثبات العموم انتهى‏.‏

3 - وعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه‏:‏ ‏(‏لما توفي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب فقال عمر‏:‏ كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه تعالى فقال‏:‏ واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال واللَّه لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر‏:‏ فواللَّه ما هو إلا أن قد شرح اللَّه صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا ابن ماجه لكن في لفظ مسلم والترمذي وأبي داود‏:‏ ‏(‏لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه‏)‏ بدل العناق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكفر من كفر من العرب‏)‏ قال الخطابي‏:‏ أهل الردة كانوا صنفين صنفًا ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة وهذه الفرقة طائفتان إحداهما أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي ومن استجاب له من أهل اليمن وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم‏.‏ والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد للَّه في الأرض إلا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس قال‏:‏ والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما وأرخ مبدأ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب عليه السلام إذ كانوا منفردين في زمانه لم يخلطوا بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولم يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب فراجع أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس‏)‏ الحديث‏.‏ وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر‏:‏ إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه‏.‏

وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله فعرفت أنه الحق يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة‏.‏ وقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر أول من سبى المسلمين وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى ‏{‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم‏}‏ خطاب خاص في مواجهة النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم دون غيره وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان للنبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم وزعموا أن قتالهم كان عسفًا وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافًا منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارًا ولذلك رأى أبو بكر سبي ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة‏.‏ واستولد علي بن أبي طالب عليه السلام جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن الحنيفة ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى فأما مانعوا الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي ولم يسموا على الانفراد كفارًا وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما مانعوه من حقوق الدين وذلك أن الردة اسم لغوي فكل من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتد عنه وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًا وأما قوله تعالى ‏{‏خذ من أموالهم صدقة‏}‏ وما ادعوه من كون الخطاب خاصًا برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم فإن خطاب كتاب اللَّه على ثلاثة أوجه‏:‏ خطاب عام كقوله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ الآية ونحوها‏.‏ وخطاب خاص برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك كقوله تعالى ‏{‏ومن الليل فتهجد به نافلة لك‏}‏ وكقوله ‏{‏خالصة لك من دون المؤمنين‏}‏‏.‏ وخطاب مواجهة للنبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وهو وجميع أمته في المراد به سواء كقوله تعالى ‏{‏أقم الصلاة لدلوك الشمس‏}‏ وكقوله تعالى ‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه‏}‏ ونحو ذلك‏.‏ ومنه قوله تعالى ‏{‏خذ من أموالهم صدقة‏}‏ وهذا غير مختص به بل يشاركه فيه الأمة‏.‏ والفائدة في مواجهة النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بالخطاب أنه هو الداعي إلى اللَّه والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم‏.‏ وأما التطهير والتزكية والدعاء منه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لصاحب الصدقة فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة اللَّه وطاعة رسوله فيها وكل ثواب موعود على عمل بر كان في زمنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم فإنه باق غير منقطع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه‏)‏ الخ المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا اللَّه ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة‏)‏ قال النووي‏:‏ ضبطناه بوجهين فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عناقًا‏)‏ بفتح العين بعدها نون وهو الأنثى من أولاد المعز‏.‏ وفي الرواية الأخرى‏:‏ ‏(‏عقالًا‏)‏ وقد اختلف في تفسيره فذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال زكاة عام‏.‏ قال النووي‏:‏ وهو معروف في اللغة كذلك وهذا قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء قال‏:‏ والعقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه فلا يصح حمل الحديث على هذا‏.‏ وذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير وهذا القول محكي عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين‏.‏ قال صاحب التحرير‏:‏ قول من قال المراد صدقة عام تعسف وذهاب عن طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فيقتضي قلة ما علق به العقال وحقارته وإذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى قال النووي‏:‏ وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره وكذلك أقول أنا ثم اختلفوا في المراد بقوله منعوني عقالًا فقيل قدر قيمته كما في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والركاز والفطرة والمواشي في بعض أحوالها وهو حيث يجوز دفع القيمة‏.‏ وقيل زكاة عقال إذا كان من عروض التجارة وقيل المراد المبالغة ولا يمكن تصويره ويرده ما تقدم‏.‏ وقيل إنه العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها يرباطها‏.‏

واعلم أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها ولعلها لم تبلغ الصديق ولا الفاروق ولو بلغتهما لما خالف عمر ولا احتج أبو بكر بتلك الحجة التي هي القياس فمنها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه‏)‏ وأخرج البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه‏)‏ وأخرج مسلم والنسائي من حديث جابر بن عبد اللَّه نحوه‏.‏ ـ وفي الباب ـ أحاديث‏.‏

4 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ابله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لآل محمد منها شيئًا‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي وأبو داود وقال‏:‏ ‏(‏وشطر ماله‏)‏ وهو حجة في أخذها من الممتنع ووقوعها موقعها‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي وقال يحيى بن معين‏:‏ إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة وقد اختلف في بهز فقال أبو حاتم‏:‏ لا يحتج به وروى الحاكم عن الشافعي أنه قال‏:‏ ليس بهز حجة وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به وكان قال به في القديم ثم رجع‏.‏ وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال‏:‏ ما أدري وجهه وسئل عن إسناده فقال‏:‏ صالح الإسناد‏.‏ وقال ابن حبان‏:‏ لولا هذا الحديث لأدخلت بهزًا في الثقات‏.‏ وقال ابن حزم‏:‏ إنه غير مشهور العدالة‏.‏ وقال ابن الطلاع‏:‏ إنه مجهول وتعقبا بأنه قد وثقه جماعة من الأئمة‏.‏ وقال ابن عدي‏:‏ لم أر له حديثًا منكرًا‏.‏ وقال الذهبي‏:‏ ما تركه عالم قط وقد تكلم فيه أنه كان يلعب بالشطرنج‏.‏ قال ابن القطان‏:‏ وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة‏.‏ قال الحافظ‏:‏ وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب‏.‏ وقال البخاري‏:‏ بهز بن حكيم يختلفون فيه وقال ابن كثير‏:‏ الأكثر لا يحتجون به‏.‏ وقال الحاكم‏:‏ حديثه صحيح وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث ووثقه واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح وعلق له فيه وروى عن أبي داود أنه حجة عنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في كل إبل سائمة‏)‏ يدل على أنه لا زكاة في المعلوفة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في كل أربعين‏)‏ الخ سيأتي تفصيل الكلام في ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تفرق إبل عن حسابها‏)‏ أي لا يفرق أحد الخليطين ملكه عن ملك صاحبه وسيأتي أيضًا تحقيقه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مؤتجرًا‏)‏ أي طالبًا للأجر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإنا آخذوها‏)‏ استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذ لم يرض رب المال وعلى أنه يكتفي بنية الإمام كما ذهب إلى ذلك الشافعي والهادوية وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي في أحد قوليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وشطر ماله‏)‏ أي بعضه‏.‏ وقد استدل به على أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم من قوليه ثم رجع عنه وقال‏:‏ إنه منسوخ وهكذا قال البيهقي وأكثر الشافعية‏.‏ قال في التلخيص‏:‏ وتعقبه النووي فقال‏:‏ الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال‏.‏ وحكى صاحب ضوء النهار عن النووي أنه نقل الإجماع مثلهما وهو يخالف ما قدمنا عنه فينظر‏.‏ وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء لأنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت ولم ينقل أنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في تلك القضية أضعف الغرامة ولا يخفى أن تركه صلى اللَّه عليه وآله وسلم للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقًا ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخًا البتة وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الإمام يحيى والهادوية‏.‏ وقال في الغيث‏:‏ لا أعلم في جواز ذلك خلافًا بين أهل البيت واستدلوا بحديث بهز هذا وبهمِّ النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة وقد تقدم في الجماعة‏.‏ وبحديث عمر عند أبي داود قال‏:‏ ‏(‏قال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه‏)‏ وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني قال البخاري‏:‏ عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ أنكروه على صالح ولا أصل له والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام‏.‏ قال أبو داود‏:‏ وهذا أصح‏.‏ وبحديث ابن عمرو ابن العاص عند أبي داود والحاكم والبيهقي‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه‏)‏ وفي إسناده زهير بن محمد قيل هو الخراساني وقيل غيره وهو مجهول وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الجهاد وله شاهد مذكور هنالك‏.‏ وبحديث أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدًا وجده يصيد في حرم المدينة قال‏:‏ ‏(‏سمعت النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ من وجدتموه يصيد فيه فخذوا سلبه‏)‏ أخرجه مسلم‏.‏ وبحديث تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها‏.‏ وحديث تضمين من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق مثليه كما أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري من حديث عبد اللَّه بن عمرو‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال‏:‏ من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة ‏[‏الخبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة ما تحمله في حضنك‏]‏ فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة‏)‏ وأخرج نحوه النسائي والحاكم وصححه وسيأتي في كتاب السرقة‏.‏ ومن الأدلة قضية المددى الذي أغلظ لأجله الكلام عوف بن مالك عن خالد بن الوليد لما أخذ سلبه فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏لا ترد عليه‏)‏ أخرجه مسلم وبإحراق علي بن أبي طالب عليه السلام لطعام المحتكر ودور قوم يبيعون الخمر وهدمه دار جرير بن عبد اللَّه ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه وتضمينه لحاطب ابن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده وانتحروها وتغليظه هو وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام‏.‏

‏(‏وقد أجيب‏)‏ عن هذه الأدلة بأجوبة‏:‏ أما عن حديث بهز فيما فيه من المقال وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد والحافظ في التلخيص عن إبراهيم الحربي أنه قال في سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوي وإنما هو فإنا آخذوها من شطر ماله أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا وبما قال بعضهم إن لفظة وشطر ماله بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة فعل مبني للمجهول ومعناه جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي الشطرين أراد‏.‏

ويجاب عن القدح بما في الحديث من المقال بأنه مما لا يقدح بمثله‏.‏ وعن كلام الحربي وما بعده بأن الأخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة بالمال لأنه زائد على الواجب‏.‏ وأما حديث هم النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم بالإحراق فأجيب عنه بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات والهم ليس من الثلاثة ويرد بأنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم لا يهم إلا بالجائز وأما حديث عمر فيما فيه من المقال المتقدم‏.‏ وكذلك أجيب عن حديث ابن عمرو ‏.‏ وأما حديث سعد بن أبي وقاص فبأنه من باب الفدية كما يجب على من يصيد صيد مكة وإنما عين صلى اللَّه عليه وآله وسلم نوع الفدية هنا بأنها سلب العاضد فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هي هتك الحرمة عن التعدية‏.‏ وأما حديث تغريم كاتم الضالة والمخرج غير ما يأكل من الثمر‏.‏ وقضية المددى فهي واردة على سبب خاص فلا يجاوز بها إلى غيره لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا وسنة بتحريم مال الغير‏.‏ قال اللَّه تعالى ‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة‏}‏ ‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام‏}‏ وقال صلى اللَّه عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع‏:‏ ‏(‏إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم‏)‏ الحديث قد تقدم‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه‏)‏ وأما تحريق على طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير‏.‏ وأما المروي عن عمر من ذلك فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضًا قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة وكذلك المروي عن ابن عباس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عزمة من عزمات ربنا‏)‏ قال في البدر المنير‏:‏ عزمة خير مبتدأ محذوف تقديره ذلك عزمة وضبطه صاحب إرشاد الفقه بالنصب على المصدر وكلا الوجهين جائز من حيث العربية‏.‏ ومعنى العزمة في اللغة الجد في الأمر‏.‏ وفيه دليل على أن أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام‏.‏ والعزائم الفرائض كما في كتب اللغة‏.‏